من الحياة

بداية النهاية

 

رشيد بن حويل البيضاني

لا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية عند الكثيرين منانحن أبناء دول العالم العربي والإسلامي، بل وما يسمى بالعالم الثالثتشكل نموذجاً أعلى وأسمى ومثالا، يتطلع الجميع إليه، بل هي حلم الملايين الذين يطمحون في هذه الولايات، وربما الموت على أراضيها.

ولو دققنا النظر في هذا النموذج، ونظرنا بداية إلى ما يحظى به من ثروات وقوة اقتصادية، وجدناه ليس إلا نهراً من ورق، فالأموال في معظمها هي ودائع العالم العربي الثري، حكومات وأفراداً، وثرواته يتحكم فيها أصحابها من اليهود، وموارده من نفط من دول عربية وغير عربية، بل إن قوته العلمية والتكنولوجية هي نتاج جهود علماءغير أمريكيي الأصل من العرب والمسلمين والأفارقة وغيرهم، استطاعت إغراءهم وجذبهم للعيش فيها.

خلاصة القول، إن التقدم الحضاري في جوانبه المادية ليس أمريكياً خالصاً، بل هو نتاج إنساني، يمكن أن يتحول إلى مكان آخر، وتفلس أمريكا علمياً، ولعلنا جميعاً عاصرنا حفرة الإفلاس المادي التي أوشكت هذه الدولة (العظمى) أن تقع فيها منذ أسابيع مضت، فقامت بتسريح موظفيها، وغلق العديد من مكاتبها وإداراتها.

بل إن كثيرين كانوا يرون في هذا (النمر الكرتوني) نموذجاً أخلاقياً مثالياً يفوق تلك النماذج المتشدقة بمبادئ الأديان والأخلاق، وقد خاب ظن هؤلاء وانهار هذا النموذج الوهمي، والمثال الخرافي، وانكشفت الأخلاقيات بالاستخبارات الأمريكية، بالوثائق والمستندات، والهارب إلى روسيا، كيف أن الإدارة الأمريكية قد جندت قوتها وتقدمها التكنولوجي، ونحو أكثر من خمسين مليار دولار سنوياً، هي من ضرائب المواطن الأمريكي، للتجسس على دول حليفة، فما بالنا بغير الحليفة؟!

مثل ألمانيا وفرنسا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، وبالطبع دول عربية وإسلامية، وكذلك استمرار عمليات التنصت على الشعب الأمريكي ذاته، بالإضافة إلى المشاركة في عمليات القتل المدبر باستخدام طائرات دون طيار، وما يحدث للشعب الباكستاني المسلم ليس عنا ببعيد.

لقد أوضحت التقارير التي نشرت مؤخراً تجسس الإدارة الأمريكية على الدبلوماسيين الفرنسيين في واشنطن والأمم المتحدة، بل وشمل التجسس شخصيات فرنسية بارزة، إذ تم الكشف عن سبعين مليون مكالمة هاتفية في فرنسا، وتم التجسس عليها، ناهيك عن التجسس على الهاتف الخاص بالمستشارة الألمانية، وزرعت أجهزة للتنصت في السفارات الأجنبية على أراضيها.

وندرك حجم هذا العمل غير الأخلاقي، المنافي للقيم والمثل، بل وللقوانين والأعراف عندما نعلم أن الميزانية السنوية المخصصة لمثل هذه الأعمال التجسسية غير الأخلاقية 52.6 مليار دولار، وأن ميزانية العاملين بوكالة المخابرات الأمريكية تصل إلى خمسة مليارات دولار سنوياً.

قائمة التجاوزات الأخلاقية الأمريكية طويلة للغاية، وهي كافية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن يتدبر بعقل منضج، وبحياد تام، حقيقة هذا النموذج الهش الفاقد لكل القيم، فلا ننخدع بما هو عليه من تقدم حضاري قام على مص دماء الآخرين وثرواتهم.

صدقوني، إنها بداية النهاية، وإن غداً لناظره قريب.